ممتع,ممتع نت,ممتع كوم,موقع ممتع,منتديات ممتع,مدونة ممتع,نادي ممتع

القائـــمة

الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

آخر المواضيع

أهلا وسهلا بك إلى ممتع نت

شاطر | 
 

 حروب المماليك مع الغزو المغولي والصليبي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نبأ
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المشاركات : 21
تاريخ التسجيل : 10/01/2018

مُساهمةموضوع: حروب المماليك مع الغزو المغولي والصليبي   السبت يناير 13, 2018 5:58 am

سُقُوط بغداد


  •  مقالة مفصلة: سقوط بغداد (1258)



هولاكو خان يسيرُ على رأس جيشه العرمرميّ.


مُنمنمة تُظهر حصار المغول لِبغداد ودكِّها بِقذائف المجانيق وتبادل رمي السهام والنبال بينم وبين الجُنُود المُسلمين.
كان الاستيلاء على العراق من ضمن السياسة المغوليَّة العامَّة القاضية بِالتوسُّع في غرب آسيا والسيطرة على ما تبقَّى من العالم الإسلامي بعد سُقُوط خوارزم وفارس في عهد الخاقان الأعظم منكو خان. عهد الخاقان سالف الذِكر إلى أخيه هولاكو القيام بِتنفيذ هذه المُهمَّة وفتح ديار الإسلام حتَّى أقاصي مصر بعد أن منحهُ إقليم فارس والولايات الغربيَّة،[54] وحدَّد لهُ إطار العلاقة مع الخليفة العبَّاسي، بحيثُ إذا قدَّم فُرُوض الولاء والطَّاعة فلا يتعرَّض له، أمَّا إذا عصى، فعليه أن يتخلَّص منه حتَّى لا يُشكِّل وُجوده عقبة في طريق الزحف المغولي.[55] ومن جهته، وضع هولاكو خطَّة عسكريَّة تقضي، أولًا، بِالقضاء على طائفة الحشاشين الإسماعيليَّة، ثُمَّ غزو المناطق الغربيَّة وُصولًا إلى مصر، في مرحلةٍ ثانية. وبعد أن حقَّق هدفه الأوَّل سار لِتحقيق هدفه الثاني، وبدأ بِغزو العراق.[56] ولمَّا رفض الخليفة العبَّاسي الخُضُوع لِلمغول، وردَّ على رسائل هولاكو ردًا قاسيًا تضمَّن تهديدات، سار الأخير بِجُيُوشه الجرَّارة نحو عاصمة الخِلافة وحاصرها من كُلِّ جانب بِحُلول يوم 12 مُحرَّم 656هـ المُوافق فيه 18 كانون الثاني (يناير) 1258م،[57] ووصل هولاكو بنفسه لِيُشارك في الحصار يوم 13 مُحرَّم 6566هـ المُوافق فيه 19 كانون الثاني (يناير) 1258م، لِيبلغ عدد القُوَّات المُحاصرة بغداد نحو 200,000 مُقاتل وفق تقدير ابن كثير.[58] ضيِّق المغول الحصار على بغداد ودكُّوها دكًا بِقذائفالمجانيق ثُمَّ دخلوها عنوةً في يوم الأربعاء 9 صفر 656هـ المُوافق فيه 14 شُباط (فبراير) 1258م، واستباحوها وقتلوا كُلَّ نفسٍ صادفتهم ونهبوا وحرقوا كُل ما صادفوه،[59] وكان الخليفة قد خرج منها وسلَّم نفسه لِلزعيم المغولي دون قيدٍ أو شرط بعد أن وعده هولاكو بِالأمان.[60] وقد انتهت هذه الأحداث بِقتل الخليفة المُستعصم وابنيه أبي العبَّاس أحمد وأبي الفضائل عبدُ الرحمٰن، وأسر ابنه الأصغر مُبارك وأخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، ثُمَّ استسلمت الحلَّة والكُوفة وواسط والموصل.[61] وبِسُقُوط بغداد ومقتل الخليفة المُستعصم انتهت دولة الخِلافة العبَّاسيَّة التي عمَّرت ما يزيد عن خمسة قُرون. كان لِسُقوط بغداد دويٌّ هائلٌ وعميقٌ في مُختلف أنحاء العالم الإسلامي. واهتزَّ الحُكَّام المُسلمون في المناطق المُجاورة لِهذا الحدث الجلل. واعتبر المُسلمون في كُلِّ مكان، أنَّ سُقوط الخلافة العبَّاسيَّة صدمةٌ مُريعة، وتحديًا مُخيفًا، كان لهُ أسوأ الأثر في نُفوسهم. فعلى الرُغم من أنَّ الخِلافة ظلَّت مُنذُ زمنٍ طويلٍ تفقدُ قدرًا كبيرًا من سُلطتها الماديَّة، فإنَّ مكانتها الأدبيَّة والروحيَّة لا زالت قويَّة، وتوجَّس الأيُّوبيين في الشَّام والمماليك في مصر خيفةً من الآتي.

المغول في الشَّام ومعركة عين جالوت


  •  مقالة مفصلة: معركة عين جالوت

 طالع أيضًا: غزوات المغول للشام


تمثالٌ نصفيّ لِلسُلطان سيف الدين قُطُز.


خريطة تُوضح غزوات المغول للشَّام وأماكنها. تُشير الأسهم إلى مسير المغول من العراق إلى حلب ثُمَّ حماة فدمشق وبعلبك، ثُمَّ بيت المقدس وغزَّة على حُدود الديار المصريَّة، حيثُ أرسل هولاكو إلى سيف الدين قُطُز يتوعَّده بِالقتل وتدمير البلاد إن لم يخضع لهُ ومن بقي من أُمراء المُسلمين، وهي الحادثة التي أشعلت نار الحرب بين المماليك والمغول.
كان السُلطان المملوكي عز الدين أيبك قد قُتل قبل سنة من سُقُوط بغداد، وتحديدًا يوم الثُلاثاء 24 ربيع الأوَّل 655هـ المُوافق فيه 10 نيسان (أبريل) 1257م، على يد بعض غلمانه نتيجة تحريض زوجته شجر الدُّر بعد ازدياد الوحشة بينهما وتدخُّلها في شُؤون الحُكم،[62] ولم تلبث شجر الدُّر أن قُتلت هي الأخُرى أيضًا على يد جواري امرأة أيبك الأولى أُم نُور الدين عليّ.[63] على أثر مقتل أيبك، بايع المماليك ابنه نُور الدين عليّ، وعُمره خمس عشرة سنة، ولقَّبوه بِالملك المنصور.[64] عاشت البلاد في تلك الفترة حالة قلقٍ  واضطراب وعدم استقرار بِسببب عدم إلمام المنصور بِشُؤون الحُكم ولِتنافس الأُمراء على تبُّوء العرش، بِالإضافة إلى وُصُول خبر سُقُوط بغداد واستباحتها ومقتل الخليفة، ومسير المغول نحو الشَّام، فشاع الخوف والقلق بين الناس، وأصبح الوضع حرجًا يتطلَّب وُجود رجلٍ قويٍّ على رأس السلطنة، وعلا في هذه الأوضاع المُضطربة نجم الأمير سيفُ الدين قُطُز، نائب السلطنة كأقوى أميرٍ مملوكيّ، فأخذ على عاتقه توحيد صُفُوف المماليك من مُشكلة الحُكم، وأقدم على عزل المنصور نور الدين عليّ في شهر ذي القعدة سنة 657هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) سنة 1259م بِمُساعدة الأعيان والأُمراء، وتربَّع على عرش السلطنة المملوكيَّة لِيتفرَّغ لِمُواجهة المغول.[65] كان من الطبيعي أن يتلو غزو المغول لِلعراق، مُهاجمة الشَّام. وكان هولاكو قد أرسل، أثناء حصار بغداد، فرقة عسكريَّة استولت على إربل، ومن ثُمَّ أشرف المغول على البلاد الشَّاميَّة.[66] وقف أمير أنطاكية الصليبي بوهيموند السادس إلى جانب المغول رُغم تردُّد باقي الإمارات الصليبيَّة وتخوُّفها من الانضمام لِهؤلاء، وحالف الأرمن في قيليقية المغول وشجَّعوهم على القضاء على المُسلمين في الشَّام واشتركوا معهم في قتالهم على أمل استخلاص الأراضي المُقدسة منهم وبيت المقدس خُصوصًا.[67] أمَّا المُلُوك والأُمراء المُسلمون فكانوا يفتقدون الرَّابطة الاتحاديَّة، وعمل كُل أميرٍ بِاستقلالٍ عن الآخر. لِذلك، ضرب الناصر يُوسُف الأيُّوبي الصُلح مع المماليك  بِعرضض الحائط، وعرض على هولاكو التعاون أملًا باسترجاع مصر لِلبيت الأيُّوبي. وكان أن استجاب هولاكو لِتلك الدعوة، وقرَّر إرسال قُوَّةة من عشرين ألف فارس إلى الشَّام، ولم يلبث المغول أن زحفوا من العراق على الشَّام، فانتقلوا في سُرعةٍ مُذهلةٍ من ديار بكر إلى آمُد يُريدون حلب. ولم يُوفَّق المُسلمون في الدفاع عن حلب فدخلها المغول وقتلوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا عادة فعلهم.[68] وهُنا أفاق النَّاصر يُوسُف لِحقيقة خطر المغول، فأرسل إلى قريبه المُغيث عُمر صاحب الكرك والمُظفَّر قُطُز صاحب مصر يطلب منهُما النجدة السريعة. على أنَّهُ يبدو أنَّ كثيرًا من الأُمراء بالشَّام خافوا عاقبة مُقاومة المغول ونادوا بِأنَّهُ لا فائدة من تلك المُقاومة، فأخذ الأمير زينُ الدين الحافظي يُعظِّم من شأن هولاكو وأيَّد مبدأ الاستسلام له، ولكنَّ الأمير رُكن الدين بيبرس البندقداري - وكان قد أصبح من أُمراء المماليك البحريَّة بالشَّام - لم يُعجبه ذلك القول، فقام وسبَّهُ وضربه وقال له: «أَنْتُمُ سَبَبُ هَلَاكُ المُسْلِمِيْن!»[69] ولم يرضَ بيبرس ومن  معهُ من البحريَّة عن مسلك الناصر يُوسُف وأُمراء الشَّام، فساروا إلى غزَّة، وأرسل بيبرس إلى السُلطان قُطُز يعرض عليهه توحيد جُهود المُسلمين ضدَّ خطر المغول. وفي الحال استجاب قُطُز للدعوة[70].، فأرسل إلى بيبرس يطلب منهُ القُدوم، واستقبلهُ بِدار الوزارة وأقطعهُ قليوب وأعمالها.[71]


خريطة توضح مسيرة الجيشين الإسلامي والمغولي حتى التقائهما في عين جالوت.
سقطت مُدن الشَّام الواحدة تلو الأُخرى في يد المغول، فساروا من حلب إلى دمشق ثُمَّ بعلبك نُزولًا إلى فلسطين حتَّى بلغوا غزَّة. وأرسل هولاكو إلى قُطُز خطاب تهديدٍ ووعيد يطلب منهُ التسليم ويقُولُ له: «يَعلَمُ المَلِكُ المُظَفَّرُ قُطُز وَسَائِرَ أُمَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأَهلَ مَملَكَتِهِ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَعمَالِ، أَنَّا نَحنُ جُندَ الله فِي أَرضِهِ، خَلَقَنَا مِن سَخطِهِ وَسَلطِهِ عَلَى مَن حَلَّ بِهِ غَضَبِهِ... فَاتَّعِظُوا بِغَيْرِكُمُ.. فَنَحْنُ لَا نَرْحَمُ مَن بَكَى وَلَا نَرُقُّ لِمَن شَكَى...».[72] وختم رسالتهُ بِقصيدةٍ جاء في مطلعها:
ألا قُل لِمصر ها هُلاون قد أتىبِحدِ سُيوفٍ تُنتضى وبواترُ
يصيرُ أعزُّ القوم منا أذلةًويُلحق أطفالًا لهم بالأكابرُ
ولكنَّ قُطُز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رُسُل المغول وعلَّق رُؤوسهم على باب زويلة، وقرَّر الخُرُوج لِلتصدِّي لِلمغول، وشجَّعهُ على ذلك الأنباء التي أفادت بِرحيل هولاكو شرقًا بهد أن علم بِوفاة الخاقان الأعظم منكو خان، وتركه القيادة بِيد نائبه كتبغا، وأنَّ الصليبيين نفضوا يدهم من التحالف مع المغول لِعدم ثقتهم فيهم، فرأى أنَّ الفُرصة أصبحت مُؤاتية لِلوُقوف بوجه هذا الخطر ودحره والانتصار عليه.[73] أعدَّ المُسلمون العدَّة لِمُواجهة المغول، وخرجوا بِقيادة قُطُز نحو فلسطين، فقابلوا جيش المغول في يوم 25 رمضان 658هـ المُوافق فيه 3 أيلول (سپتمبر) 1260م في سهل عين جالوت حيثُ دارت بين الطرفان معركةٌ حامية الوطيس أُفني فيها الجيش المغولي عن بُكرة أبيه، وقُتل قائده كتبغا. ثُمَّ حرَّر المُسلمون باقي مُدن الشَّام من  المغول، وأمر قُطُز بِإنزال القصاص بِالذين تعاونوا معهم، وكان فيي مُقدمتهم عددٌ من الأهالي المسيحيين في دمشق وغيرها، والأُمراء الأيُّوبيين، فيما عفى عن قسمٍ آخر منهم. ثُمَّ رتَّب أوضاع المُدنن المُستعادة، وأعلن وحدة الشَّام ومصر مُجددًا،[74] قبل أن يقفل ويرجع إلى القاهرة، التي أصبحت مُنذ ذلك الحين قِبلة العُلماء والأُدباء النازحين من العراق والشَّام والبلاد التي  دمَّرها المغول.

إعادة إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة



الملك الظاهر بيبرس.
بعد زوال الخطر المغولي الذي أجبر المماليك جميعًا على الاتحاد، تجدَّدت النزاعات بين قُطُز ومماليكه المعزيَّة من جهة وبين المماليك البحريَّة بِقيادة الأمير بيبرس البندقداري من جهةٍ أُخرى. وكان من نتيجة تلك النزاعات أن دفعت المماليك البحريَّة بيبرس إلى اغتيال قُطُز يوم السبت 15 ذي القعدة658هـ المُوافق فيه 22 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1260م، بعد أن أظهر قُصر نظر في الحقل السياسي حين تجاهل مكانة بيبرس التي ارتفعت بعدمعركة عين جالوت.[75] بعد مقتل قُطُز، بايع الأُمراء والجُند بيبرس سُلطانًا على مصر والشَّام، وحلفوا لهُ جميعًا أن لا يخونوا ولا يثبوا عليه.[76] ويبدو أنَّ بيبرس شعر مُنذُ أن تسلَّم الحُكم، أنَّهُ بِحاجةٍ إلى  دعمٍ أدبيٍّ يُكسب حُكمه صفة شرعيَّة، بعد أن نظر إليه مُعاصروه على أنَّهُ اغتصب السلطنة منن قُطُز، يُضاف إلى ذلك أنَّ كثيرًا من الناس استمرَّت تنظر إلى المماليك نظرة الريبة من زاوية أصلهم غير الحُر وانتزاعهم الحُكم من سادتهم الأيُّوبيين، ممَّا كان دافعًا لهم لِلبحث عن سندٍ شرعيٍّ يُبرِّرون بِواسطته حُكمهم. والحقيقة أنَّ العالم الإسلامي شعر بِفراغٍ كبيرٍ في منصب القيادة الروحيّ بعد سُقُوط بغداد في أيدي المغول، ولم يكن بِالإمكان أن يخلف أحد أبناء البيت العبَّاسي الخليفة المُستعصم بعد مقتله، لأنَّ عاصمة الخِلافة أضحت قاعدةً لِلحُكم المغولي. وقد حاول بعض الأُمراء المُسلمين إعادة إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، ومنهم النَّاصر يُوسُف الأيُّوبي وسيف الدين قُطُز، لكنهما لم ينجحا، فرأى بيبرس أن يكون هو هذا الحاكم المُسلم الطموح الذي يُعيد الحياة إلى هذه الخِلافة على أن يكون مقرَّها القاهرة، لِيجعل منها سندًا لِلسلطنة المملوكيَّة التي كانت بِحاجةٍ ماسَّة إلى دعمٍ روحيٍّ يجعلها مهيبة الجانب، بِالرُغم من الانتصارات التي حققتها ضدَّ المغول، ولِيُحيط عرشه بِسياجٍ من الحماية الروحيَّة يقيه خطر الطامعين في مُلك مصر والشَّام، ويُبعد عنه كيد مُنافسيه من أُمراء المماليك في مصر الذين اعتادوا الوُصُول إلى الحُكم عن طريق تدبير المُؤامرات، وكي يظهر بِمظهر حامي الخِلافة الإسلاميَّة.[77] تذكر بعض الروايات أنَّ قُطُز كان قد بايع أمير عبَّاسي يُدعى أبا العبَّاس أحمد، كان قد هرب إلى دمشق هربًا من المغول، فأمر بِإرساله إلى مصر تمهيدًا لِإعادته إلى بغداد. وتذكر بعض الروايات أنَّ المُظفَّر بايع فعلًا هذا الخليفة وهو في دمشق،[78] غير أنَّ حادثة اغتياله حالت دون تنفيذ هذا المشروع. استدعى بيبرس الأمير المذكور لِيحضر إلى القاهرة لكنَّهُ لم يفعل، ووصل في ذلك الوقت أميرٌ عبَّاسيٌّ آخر هو أبو القاسم أحمد، فارًا من وجه المغول، فاستدعاه بيبرس فورًا إلى القاهرة، واستقبلهُ استقبالًا حافلًا وبُويع بِالخلافة صباح يوم الإثنين 13 رجب 659هـ المُوافق فيه 15 حُزيران (يونيو) 1261م،[3]وكتب بيبرس إلى سائر السلاطين والأُمراء والنُوَّاب المُسلمين خارج مصر لكي يأخذوا البيعة لِلخليفة الجديد، وأمرهم بِالدُعاء له على المنابر قبله وأن تُنقش السكَّة باسميهما.[79] وقام الخليفة العبَّاسي بِدوره، فقلَّد بيبرس البلاد الإسلاميَّة وما ينضاف إليها، وما سيفتحهُ من بلادٍ في دار الحرب، وألبسهُ خُلعة السلطنة.[80] وبِذلك أضحى بيبرس سُلطانًا شرعيًّا، فأمن بذلك مُنافسة الأُمراء له.

ضم الحجاز



الدولة المملوكيَّة (بِالوردي) بعد أن دخلت الحجاز (بالأصفر) تحت سيطرتها زمن الظاهر بيبرس. لاحظ أنَّ قيليقية (القسم الأصفر في أعلى الخريطة) دخلت لاحقًا في حوزة الدولة.
كان طبيعيًّا أن يكون الحجاز محط أطماع الظاهر بيبرس، مُدركًا في الوقت نفسه، أنَّ ضمُّه لِلبلاد المذكورة سيُقوِّي مكانته في العالم الإسلامي، ويُضفي على حُكمه مهابة بين المُسلمين، خاصَّةً بعد أن ضُمَّت الشَّام تحت جناح المماليك. ورأى بيبرس ضرورة ضم بلاد الحجاز لِأسبابٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ ودينيَّةٍ. فمن الناحية السياسيَّة، فقد اعتادت مصر، مُنذُ عهد الخِلافة الراشدة، أن تُرسل الغِلال والميرة إلى الحجاز كضريبةٍ يجب أن تُؤديها إلى تلك البلاد التي تضم الحرمين الشريفين، بِالإضافة إلى إرسال الكِسوة إلى الكعبة التي كانت تُصنع من أجمل وأنفس منسوجات الشرق، وقد اشتهرت بها مصر مُنذُ زمنٍ بعيد. ومن الناحية الاقتصاديَّة، فإنَّ ضم المماليك لِبلاد الحجاز تسمح لهم بِالتحكُّم بِتجارة بحر القلزم (البحر الأحمر)، ومن ثُمَّ بِالتجارة العالميَّة. إذ شاءت الظُرُوف أن يترافق قيام سلطنة المماليك البحريَّة، في مُنتصف القرن الثالث عشر الميلاديّ، مع ازدهار طريق البحر الأحمر وموانئ مصر، واضمحلال ما عداها من طُرق التجارة الرئيسيَّة الأُخرى بين الشرق والغرب. ذلك أنَّ سيطرة المغول على البُلدان الشرقيَّة واتخاذ هولاكو بلاد فارس مركزًا لِدولته، قد عطَّل، بِفعل انعدام الأمن،[81]مُرور القوافل التجاريَّة على طريق التجارة الشماليَّة بين الصين والأناضول، وموانئ بحر البنطس (البحر الأسود) والشَّام.[82] وكان ذلك في الوقت الذي تراجع فيه مجيء السُفُن القادمة منالشرق الأقصى إلى الخليج العربي، بِسبب ازدياد نشاط القراصنة من سُكَّان جُزُر البحرين، ومن ثُمَّ تحوَّلت السُفن التجاريَّة إلى ميناء عدن في اليمن. غير أنَّ حُكَّام اليمن لم يُحافظوا على  سلامة التُجَّار النازلين في عدن ولا علىى بضائعهم ممَّا دفع السُفن التجاريَّة إلى عدم التوقُّف في عدن والاستمرار فيي الإبحار عبر بحر القلزم (البحر الأحمر). وهكذا ترتَّب على اضمحلال طُرق التجارة الشرقيَّة في ذلك الوقت انتعاش طريق البحر الأحمر - مصر، الأمر الذي أتاح لِلسلاطين المماليك بِشكلٍ عام، فُرصة ذهبيَّة لِلإفادة من القيام بِدور الوسيط بين تُجَّار الشرق وتُجَّار الغرب.[83] أمَّا من الناحية الدينيَّة، فإنَّ ضم الحجاز إلى السلطنة المملوكيَّة سيُضفي على حُكم بيبرس هالة من المهابة باعتباره مسؤولًا عن الحرمين الشريفين، كما سيدعم ذلك ركائز  دولته، ويضعهُ في مصاف الخُلفاء العبَّاسيين، في الوقت الذي كان فيهه بِأمس الحاجة إلى هذا الدعم. ومهما يكن من أمر، فقد أخذ بيبرس على عاتقه تنفيذ سياسته الحجازيَّة. فقام بِعدَّة إصلاحات بِالحرم النبوي، وأرسل الكِسوة إلى الكعبة.[84] كما أرسل الصدقات والزيت والشُمُوع والطيب والبُخُور مع كسوة لِقبر الرسول مُحمَّد. وأخيرًا أدَّى فريضة الحج في سنة 6677هـ المُوافقة لِسنة 1269م، وأمر بِجعل الخِطبة لِلخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة، ثُمَّ لِلسُلطان المملوكي من بعده، كما ضُربت السكَّة باسمه.[85] وهكذا ضُمَّت الحجاز إلى الدولة المملوكيَّة، واستتبع ذلك ضم بلاد اليمن، التي كانت تحت حكم بني رسول، وأضحت هذه البلاد بِمُقتضى التقليد الذي منحهُ الخليفة العبَّاسي المُستنصر لِلظاهر بيبرس داخلة في نطاق الحُكم المملوكي. وقد جاء في هذا التقليد: «..وَقَد قَلَّدَكَ الدِّيَار المِصرِيَّة والبِلَاد الشَّامِيَّة والدِيَار بِكرِيَّة والحِجَازِيَّة واليَمَنِيَّة والفُرَاتِيَّة وَمَا يَتَجَدَّد مِنَ الفُتُوحَاتِ غَورًا وَنَجدًا».[86]

بداية المُناوشات مع الصليبيين



خريطة تُظهر موقع إمارتيّ طرابُلس وأنطاكية ومملكة قبرص التي كانت عرضة لِهجمات المُسلمين بِقيادة الظاهر بيبرس، في سبيل استرجاعها من الصليبيين.
بعد إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، وتوطيد أركان الدولة المملوكيَّة، وإنزال الهزيمة القاسية بِالمغول، اعتبر بيبرس أنَّ الوقت قد حان لاستعادة بلاد المُسلمين التي احتلَّها الصليبيين مُنذُ حوالي القرن من الزمن، ورأى أن يبدأ بِمُعاقبة القوى المسيحيَّة التي ساعدت المغول ووقفت بِجانبهم ضدَّ المُسلمين، وخصَّ منهم حيطوم ملك قيليقية الأرمنيَّة وبوهيموند السادس أمير أنطاكية. فأرسل في سنة 659هـ المُوافقة لِسنة 1261م، جيشًا إلى حلب لِشن غارات واسعة النطاق على أملاك أنطاكية. وتجدَّدت الغارات في السنة التالية، وهدَّد المُسلمون أنطاكية نفسها بِالسُقُوط لولا أنجدها جيشٌ مغولي أرمني مُشترك يقوده الملك حيطوم بِنفسه، فاضطرَّ الجيش الإسلامي إلى فك الحصار.[87] لم يسع بيبرس، نتيجة فشله في استعادة أنطاكية، وتهديده المُستمر من جانب مغول فارس، في الأوقات التي يُهاجم فيها الإمارات الصليبيَّة، إلَّا اللُجوء إلى الدبلوماسيَّة لِتحصين موقفه. لِذلك، تحالف مع بركة خان بن جوشي، خان القبيلة الذهبيَّة، والإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن پاليولوگ، والسُلطان السُلجوقي عز الدين كيكاوس بن كيخسرو، وأضحى باستطاعته القيام بِمشاريعه الكُبرى ضدَّ الصليبيين وهو آمن.[88] بدأت الحرب بين المُسلمين بِقيادة بيبرس، والصليبيين سنة 661هـ المُوافقة لِسنة 1263م، عندما هاجمت جُيُوش المُسلمين الناصرة، كما هاجم بيبرس بنفسه مدينة عكَّا ولكنَّهُ لم يُفلح في استردادها، على أنَّ الحرب الشاملة التي شنَّها بيبرس على الصليبيين لم تبدأ إلَّا في سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م، عندما استردَّ المُسلمون قيسارية ويافا وعثليث وأرسوف. وفي نفس السنة تُوفي هولاكو وخلفه آباقا خان، ولم يكن باستطاعته التدخُّل في شؤون الشَّام لانشغاله بِمُحاربة أبناء عُمومته في القبيلة الذهبيَّة الذين أغاروا على بلاده الربيع التالي،[89] فأضحى باستطاعة بيبرس أن يستأنف حملاته ضدَّ الصليبيين دون أن يخشى تدخلًا مغوليًّا. وهكذا استرجع المُسلمين في السنة التالية مُدن وبلدات صفد وهونين وتبنين والرَّملة.[90] ولم يغفر بيبرس لِمملكة أرمينية الصُغرى في قيليقية أو لِإمارتيّ أنطاكية وطرابُلس تحالُفها مع المغول ضدَّ المُسلمين، فأخذ يُمهِّد سنة 665هـ المُوافقة لِسنة 12666م لِلقيام بِعملٍ حربيٍّ ضدَّ هذه القوى الصليبيَّة، وأرسل جيشًا تحت قيادة الأمير قلاوون استولى على بعض القلاع الواقعة شماليّ طرابُلس الشَّام لِتحقيق ذلك الغرض.[ْ 11] وفي صيف سنة 665هـ المُوفقة لِسنة 12666م، وجَّه بيبرس حملةً كُبرى  ضدَّ أرمينية الصُغرى أثناء غياب ملكها حيطوم الأوَّلل في زيارةٍ لِمغول فارس، ونجح المُسلمين في إنزال هزيمة كُبرى بِالأرمن قُرب دربساك، وانتقموا منهم شرَّ انتقام، فدمَّروا مُدن قيليقية وبِخاصَّة أضنة وطرسوس والمصيصة، كما أشعلوا النار في العاصمة سيس، وقُتل أحد أبناء الملك حيطوم في الحرب في حين أُسر الابن الثاني، وبعد ذلك عاد المماليك إلى الشَّام مُحمَّلين بِالغنائم ومعهم آلاف الأسرى من الأرمن.[91]


حصن الأكراد في حِمص. مكَّنت استعادة هذا الحصن المُسلمين من التحكُّم بِالطُرق المُؤيدة إلى طرابُلس.
وأخيرًا توَّج بيبرس جهوده ضدَّ الصليبيين باسترجاع أنطاكية في شهر أيَّار (مايو) سنة 1268م. وكانت خسارة الصليبيين بِسُقُوط أنطاكية ضخمة، لأنها كانت كُبرى إماراتهم بِالشَّام، وثاني إمارة أسسوها بعد الرُّها، لِذلك جاء سُقُوطها إيذانًا بانهيار البناء الصليبي بِالشَّام، بحيثُ لم يبقَ لِلصليبيين بعد ذلك من المُدن سوى عكَّا وطرابُلس. ولم تقتصر حركة الجهاد التي قام بها بيبرس ضدَّ القوى الصليبيَّة في الشرق الأدنى على أرمينية الصُغرى والشَّام، وإنما امتدَّت إلى جزيرة قبرص، المحكومة من قِبل آل لوزنيان الإفرنج. ولم يستطع الظاهر بيبرس أن يغفر لِملك قبرص هيوج الثالث تهديده لِسُفن المُسلمين في شرق حوض البحر المُتوسِّط، أو مُساعدته لِلصليبيين ضدَّ المُسلمين بِالشَّام، فأرسل حملةً بحريَّةً سنة 668هـ المُوافقة لِسنة 1270م لِغزو قبرص.[92][rtl] ولكنَّ هذه الحملة أُصيبت بِالفشل بِسبب ريحٍ عاصفة هبَّت على السُفن الإسلاميَّة قرب شاطئ قبرص فتحطَّم بعضها، وعاد البعض الآخر دون نتيجة.[/rtl][93][rtl] وهكذا استمرَّ بيبرس يشُنَّ الحُروب العنيفة على الصليبيين دون هوادة ولا رحمة، فاسترجع في سنة 669هـ المُوافقة لِسنة 1271م بلدة [/rtl]صافيتا وحصن الأكراد[rtl] وحصن عكَّا والقرين، وأخذ يستعد لِمُهاجمة طرابُلس ذاتها، لولا وُصُول الأمير [/rtl]إدوارد الإنكتاري[rtl] إلى الشَّام ومعهُ بضع مئاتٍ من المُحاربين، مما جعل بيبرس يخشى أن يكون ذلك مُقدِّمة لِحملةٍ صليبيَّةٍ كبيرة.[/rtl][ْ 12][rtl] وجديرٌ بِالذكر أنَّ حرص بيبرس على تقليم أظافر الصليبيين بِالشَام دفعه إلى القضاء على نُفُوذ [/rtl]الباطنيَّة الحشيشيَّة[rtl]. وكانت هذه الطائفة قد قامت بِدورٍ خطيرٍ في تاريخ الحُرُوب الصليبيَّة، وأسهمت بِقسطٍ وافرٍ في انحلال الشَّام في ذلك العصر. ثُمَّ أنهم لم يكتفوا باغتيال كثير من زُعماء حركة الجهاد من المُسلمين، وإنما حالفوا الصليبيين ودفعوا لهم الأموال رمزًا لِلتبعيَّة، وانقلبوا عليهم في بعض الأحيان وفق ما قضته مصلحتهم. لِذلك سعى بيبرس إلى القضاء على نُفُوذ الباطنيَّة في الشَّام قضاءً تامًّا، فعزل مُقدمهم نجم الدين الشعراني، واستولى على حُصونهم حصنًا بعد آخر حتَّى استولى عليها جميعًا وأراح البلاد من شرِّهم.[/rtl][94]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حروب المماليك مع الغزو المغولي والصليبي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ممتع نت :: ممتع منوعات :: تاريخ :: مواضيع حسب التاريخ-
انتقل الى: